صديق الحسيني القنوجي البخاري

452

فتح البيان في مقاصد القرآن

من ذلك مما لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ولقد بكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال : « تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون » « 1 » انتهى . ويؤيد هذا قوله فَهُوَ كَظِيمٌ أي مكظوم فإن معناه أنه مملوء من الحزن ممسك له لا يبثه ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه من كظم السقاء إذا سده على ما فيه والكظم بالفتح مخرج النفس ، يقال أخذ بأكظامه ، وقيل الكظيم بمعنى الكاظم أي المشتمل على حزنه الممسك له ومنه وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [ آل عمران : 134 ] . وقال الزجاج : معنى كظيم محزون ، وعن ابن عباس قال : كظيم حزين ، وعن قتادة قال ؛ كظم على الحزن وحزنه في جوفه فلم يقل إلا خيرا ، وعن عطاء الخراساني ، قال مكروب ، وعن عكرمة مثله ، وعن الضحاك الكظيم الكمد ، وعن مجاهد نحوه . قال الحسن : كان بين خروج يوسف عليه السلام من حجر أبيه إلى يوم التقيا ثمانون سنة ولم تجف فيها عينا يعقوب ، وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على اللّه منه واللّه أعلم . قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ أي لا تفتؤ فحذف حرف النفي لعدم اللبس قال الفراء : أن لا مضمرة ، قال النحاس : والذي قاله صحيح ، وعن الخليل وسيبويه مثل قول الفراء ، قال الكسائي : فتأت وفتيت أفعل كذا أي ما زلت ، وعن ابن عباس تفتأ أي لا تزال تذكر يوسف عليه السلام ولا تفتر عن حبه . حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أي دنفا من المرض ، قاله ابن عباس ، وقال قتادة : هرما ، والحرض مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والصفة المشبهة حرض بكسر الراء كدنف ودنف ، وأصل الحرض الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم ، حكي ذلك عن أبي عبيدة وغيره ، وقيل الحرض ما دون الموت ، وقيل الحارض البالي الدائر ، وقال الفراء : الحارض الفاسد الجسم والعقل وكذا الحرض . وقال المؤرج : هو الذائب من الهم ، ويقال رجل محرض ، قال النحاس : وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه ، ورجل حارض أي أحمق ، وقال الأخفش الحارض الذاهب ، وقال ابن الأنباري : هو الهالك ، وفي المصباح حرض حرضا من باب تعب أشرف على الهلاك . والأولى تفسير الحرض هنا بغير الموت والهلاك من هذه المعاني المذكورة لقوله

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 43 ، ومسلم في الفضائل حديث 62 ، وأبو داود في الجنائز باب 24 ، وابن ماجة في الجنائز باب 53 ، وأحمد في المسند 3 / 194 .